ابن ميثم البحراني
301
شرح نهج البلاغة
الحروب والغارات أكثر من أن تحصر وكلّ ذلك من لوازم الجهل . وقوله : فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه عليهم . أمر باعتبار حالهم عند مقدم محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وبعثته فيهم بعد تلك الأحوال الشريّة . والضمير في عقد وجمع راجعان إلى اللَّه تعالى لشهادة القرآن الكريم بنسبة الألفة بينهم إليه في قوله « لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » ( 1 ) ومعنى عقده لطاعتهم بملَّته جمعها بعد الانتشار ونظمها بعد التفرّق . إذ كانت طاعاتهم في الجاهليّة موافقة لأهوائهم المختلفة ومنتشرة بحسب اختلافها ، واستعار لفظ الجناح لما أسبغت عليهم رحمة اللَّه من النعمة وعمّتهم به من الكرامة ، ورشّح بذكر النشر ، وكنّى به عن عمومهم بها . وكذلك استعار لفظ الجداول وهى الأنهار لأنواع نعيمها وسيول الخيرات الَّتي جرت عليهم من الكمالات النفسانيّة والبدنيّة ملاحظة لشبه تلك الطرق والأسباب بالجداول في جريان الماء بها ، ورشّح بذكر الإسالة . وقوله : والتقت الملَّة بهم في عوائد بركتها . أي اجتمعت بهم ولقيتهم في منافعها الَّتي حصلت ببركتها . يقال : التقيت بفلان في موضع كذا : أي لقيته . وقيل : قوله : في موضع عوايد نصب على الحال : أي الحال كونها كذلك . ولفظ الالتقاء كناية عن ورود الدين عليهم وتلبّسهم به ، ولذلك استعار لفظ الغرقى ملاحظة لشبههم بالغرقى في شمول نعمة الدين لهم وغمر نعمة الإسلام إيّاهم حتّى كأنّهم لاستيلائها عليهم كالغرقى فاستلزم ذلك لملاحظة تشبيهها بالبحر الذاخر ، وكنّى بخضرة عيشها عن سعة المعاش بسبب الملَّة وطيبه . وأراد بالسلطان هنا إمّا الحجّة والبرهان والاقتداء ، أو الغلبة والدولة . واستعار لفظ الظلّ لما يستلزمه ذلك السلطان من النعمة : أي وتمكَّنت بهم الأمور والأسباب الَّتي أعدّتهم لنعمة اللَّه في ذلك الظلّ وكذلك قوله : وآوتهم الحال : أي ألجأتهم وضمنتهم الحال الَّتي كانوا عليها إلى عزّ غالب ، وهو عزّ الإسلام ودولته ملاحظة
--> ( 1 ) 8 - 64 .